ابن كثير

36

البداية والنهاية

أسرجوا ، فأشعل الناس شموعهم حتى صار الليل كأنه النهار ، وهم النصري على الحارث فاختفى منه في سرب هناك فقال أصحابه هيهات يريدون أن يصلوا إلى نبي الله ، إنه قد رفع إلى السماء ، قال فأدخل النصري يده في ذلك السرب فإذا بثوبه فاجتره فأخرجه ، ثم قال للفرعانين من أتراك الخليفة قال : فأخذوه فقيدوه ، فيقال : إن القيود والجامعة سقطت من عنقه مرارا ويعيدونها ، وجعل يقول : ( قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي ، وإن اهتديت فيما يوحى إلى ربي إنه سميع قريب ) [ سبأ : 50 ] وقال لأولئك الأتراك ( أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله ) [ المؤمن : 28 ] ؟ فقالوا له بلسانهم ولغتهم : هذا كراننا فهات كرانك ، أي هذا قرآننا فهات قرآنك ، فلما انتهوا به إلى عبد الملك أمر بصلبه على خشبة وأمر رجلا فطعنه بحربة فانثنت في ضلع من أضلاعه ، فقال له عبد الملك : ويحك أذكرت اسم الله حين طعنته ؟ فقال : نسيت ، فقال : ويحك سم الله ثم اطعنه ، قال فذكر اسم الله ثم طعنه فأنفذه ، وقد كان عبد الملك حبسه قبل صلبه وأمر رجالا من أهل الفقه والعلم أن يعظوه ويعلموه أن هذا الذي به من الشيطان ، فأبى أن يقبل منهم فصلبه بعد ذلك ، وهذا من تمام العدل والدين . وقد قال الوليد بن مسلم عن ابن جابر فحدثني من سمع الأعور يقول : سمعت العلاء بن زياد العدوي . يقول : ما غبطت عبد الملك بشئ من ولايته إلا بقتله حارثا حيث إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون دجالون كذابون كلهم يزعم أنه نبي ، فمن قاله فاقتلوه ، ومن قتل منهم أحدا فله الجنة " . وقال الوليد بن مسلم : بلغني أن خالد بن يزيد بن معاوية قال لعبد الملك لو حضرتك ما أمرتك بقتله ، قال : ولم ؟ قال : إنه إنما كان به المذهب فلو جوعته لذهب ذلك عنه ، وقال الوليد عن المنذر بن نافع ، سمعت خالد بن الجلاخ يقول لغيلان : ويحك يا غيلان ، ألم تأخذك في شبيبتك ترا من النساء في شهر رمضان بالتفاح ، ثم صرت حارثيا تحجب امرأته وتزعم أنها أم المؤمنين ثم تحولت فصرت قدريا زنديقا . وفيها غزا عبيد الله بن أبي بكرة رتبيل وملك الترك الأعظم فيهم ، وقد كان يصانع المسلمين تارة ويتمرد أخرى ، فكتب الحجاج إلى ابن أبي بكرة تأخذه بمن معك من المسلمين حتى تستبيح أرضه وتهدم قلاعه وتقتل مقاتلته ، فخرج في جمع من الجنود من بلاده وخلق من أهل البصرة والكوفة ثم التقى مع رتبيل ملك الترك فكسره وهدم أركانه بسطوة بتارة ، وجاس ابن أبي بكرة وجنده خلال ديارهم ، واستحوذ على كثير من أقاليمه ومدنه وأمصاره ، وتبر ما هنالك تتبيرا ، ثم إن رتبيل تقهقر منه وما زال يتبعه حتى اقترب من مدينته العظمى ، حتى كانوا منها على ثمانية عشر فرسخا وخافت الأتراك منهم خوفا شديدا ، ثم إن الترك أخذت عليهم الطرق والشعاب وضيقوا عليهم المسالك حتى ظن كل من المسلمين أنه لا محالة هالك ، فعند ذلك طلب عبيد الله أن يصالح رتبيل على أن يأخذ منه